أحبُّ الفن

كانت أمي تجهز أغراضي وتعد لي فطوري، تضعه  في الحقيبة وتساعدني في ارتداء ملابسي. أخرج من المنزل وأنتظر الحافلة.

يبدأ الدرس، وينتهي. في الاستراحة ألعب مع أصحابيَ الصبيان لعبة المطاردة، أركض بسرعة مع صديق كنتُ دائماً معه في فريق واحد، والفوز كان غالباً حليفنا. تنتهي الاستراحة. يبدأ درسُ ما بعد الاستراحة. ينتهي الدوام. ننطلق إلى خارج المدرسة وننتظر الحافلة. أَصِلُ المنزل وبعد تناول الغداء أبدأ في حل واجباتي. ويأتي الغد.. ويمضي كالبارحة.

هكذا كانت رحلتي مع المرحلة الابتدائية التي لم أذكُر يومًا أنني شعرتُ بأنها مملة، كل ما أذكره هو اللعب والمرح والمطاردة- لا انزعاج من زملائي ولا ضيق- هذا طبعًا إذا ما تعلّق الأمر بالأصدقاء ووقت الفُسحة. وبلا شكّ، كنتُ أكره الاختبارات لكنني أحصل على علامات مميّزة فيها. وكنت هادئة في الحصص رغم أنني لم أكن أحبها. كنت احترم مدرساتي  لكنني لم أشعر بحب كالذي كنت أراه من زميلاتي تجاه معلمة ما فيقدّمنَ  لها أزهارًا ورسائل.

كانت مرحلةً جميلةً آنذاك. لكنني لا آمُلُ أن أعود لأعيشها ثانيةً.

بدأت المرحلة الإعدادية. لا أذكر أنني أحببتها قطّ. كنت من اللواتي  يلتزمْنَ الصمت ولا يشاركْنَ في الفصل. كانت نتيجتي النّهائية (ممتاز).

مضت الإعدادية كسابقتها. واستمرّت الأيام.

حافظت على عادةِ هدوئي في الفصل إلى أن أصبحت في الثانوية العامة، وما زلت. بدأت بالتعرّف على نفسي وعلى هذا العالم الكبير. وجدت أن أدائي  لواجبتي المدرسية ليس مهمًا بدرجةِ أهميةِ فهمها والاستفادة منها، لكنني كنتُ أواجه مشكلةً صغيرة. في داخلي شيء لا يستطيع القيام بالمهام المطلوبة إذا ما أحببتُ ما أقوم به. حقيقة أنني لا أميل لبعض المواد جعلتني أبدأ بالتفكير بطرق أقوم من خلالها بأداء واجبات المادة التي لا أحبها في الحين الذي لا أكون قادرة على أدائها. كنتُ أطلب من أحدهم سواء في المدرسة أو في المنزل أن يساعدني في فهم السؤال ثم لا أُبدي اهتماما للشرح الذي يُقدم إليّ. المهم أن تُحل هذه المسألة. كنتُ أحيانًا أخرى آخذ الحل من زميلة قبل قدوم المعلمة إلى الفصل. أشعر أحياناً بأن التي تقوم بهذه التصرّفات ليست انا، لكنّ شيئاً ما كان يدفعني لأن لا اكترث.

مِنْ أهم أحداث حياتي في السنتين السابقتَيْن 2015 و2016 كان عندما خرجت من مدرستي التي لطالما تمنيت الخروج منها -لعدة أسباب- والتحقتُ بمدرسةٍ مهنيةٍ جديدة بنظامٍ مغايرٍ للّذي اعتدت عليه.

بغض النظر عن المدرسة الجديدة ومنهجها الجديد، فأنا غير مقتنعة البتة بأنّ في قدرة هذه الأنظمة المدرسية التوصّل لإبداعات طلابها والاستفادة من أفكارهم لتطوير أنفسهم والمجتمع.

لماذا لا أحب المدرسة بالقدر الكافي لتكون حقاً (بيتيَ الثاني)؟ هل فقط لأنني أمضي نهاري في أداء الواجبات المملة والدراسة للاختبارات والتحضير لدروسِ الغد؟ لا أعتقد ذلك.

كنت أحب حصة الفنون في المرحلة الإعدادية، وكنت ألتزم بتسليم واجباتي في الوقت المحدد وأحاول أن تكون رسوماتي  مميزة عن رسومات زميلاتي. ورغم أن مادة الرسم اختلفت من الإعدادية (الرسم الحر والزخارف) إلى مادة (الرسم الهندسي) في الثانوية العامة، إلا أنني كنت دائمًا أحب هذه الحصص. وعلى نقيض حصص الفنون، كنت -ولا زلتُ- لا أحب حصة الرياضيات مُطلقًا. كنتُ أشعر بالغضب عندما أجد نفسي مضطرة لدراستها كونها مادة أساسية عدم النجاح فيها يقتضي الرسوب.

وجدت أنه من السيء أن تكون مهتما بشيء لا يدرّس في ‘بيتك الثاني’ لأنك ستعاني من ضغوطات الدراسة غير المرغوب بها، ولن تجد لنفسك الوقت لتبحث وتطوّر اهتماماتك.. وإنْ فعلت، فإنه سيكون على حساب المعدّل النهائي للمرحلة الدراسية التي تدرسها، والذي يعيره المجتمع أهمية تفوق أهميته. وهذا أمر مزعج ومحبِط حقاً. وبالرغم من ذلك، كنت دائمًا أمنح مهاراتي وما أحب وقتًا يليق بأهميتها لَدَيّ. هُنا بعض إنجازاتي التي لم تساعدني في تنميتها مدرستي لكنني ساعدت نفسي بتطويرها:

إذا عُدت للوراء قليلًا سأجد أنني بدأت بِكُره المدرسة في المرحلة التي بدأتُ فيها باكتشاف نفسي واهتماماتي.. أي في تلك المرحلة التي لم يستطع فيها ‘بيتيَ الثاني’- والذي أمضيت فيه كثيراً من ساعات عمري- من مساعدتي في تطوير نفسي في الجوانب التي أهتم بها وأحبها. حينها، وحينها فقط، أدركت أنني لن أحبها أبدًا.

المنهاج الدراسي الذي يُدرّس منذُ حوالَي خمسِ سنوات وأكثر  كان يقيّد معظم قدراتي. لا أرى منطقًا في أنني أدرس نفس المنهاج الذي تلقته شقيقتي الكُبرى منذ أكثر من تِسع سنوات مضت. العلم يتطور ونحن لا نزال نقف في نفسِ بُقعةِ تِسع سنوات مضت. التسع سنوات كفيلة بصناعة تاريخ يُدرّس، ما ضَيْرُ لو غيّروا المنهاج بإضافة الماضي لكُتُب التاريخ، وزيادة ما وصل إليه العالم من تطوّر إلى المنهاج. أعتقد أنه يجب أن نتعلم علم الحاضر، إلى جوار علم الماضي.

بينما كنت أتصفح موقع مدونات الجزيرة، لفتني وبشدة عنوان هذا المقال: <<كيف يدمّر النظام الأكاديميّ أدمغتنا>> وبدون أدنى تفكير أو نظرٍ إلى من يكون الكاتب، بدأت أقرأ. انتهيت. كنتُ كَمَن وجَدَ ضالته عندما وجدت هذه الكلمات أمام ناظري تؤكّد أنّ كُرهي للمدرسة في محِله. وكان الكاتب قد عبّر حقًا في الوقت الذي خانتني الكلمات عن التعبير.

إليكم فقرات المقال التي عبّرت عن شيء ما بداخلي تجاه الرياضيات: <<فأنا مثلا لم أشعر يوما أني بحاجة إلى أن أنظر في الخصومة التي بين “السين-والصاد X-Y” ولم ولا أظن أنني سأحتاج إلى ذلك في حياتي وإن منحني الله عمر نوح عليه السّلام.>>

أعلم جيداً أنه يجب أن نتلقّى جزءًا من المعلومات التي قد لا نرغب بها لكنها مهمة ويجب الاطلاع والتعرف عليها، لكن ليس في المواد التي قد يميل إليها البعض وينفر منها آخرون، كالرياضيات المقدمة بشكل عميق وموضوعات لا أجد أنني سأستفيد منها في حياتي بشكل ملحوظ من ناحيتي، ومن ناحية الأشخاص الذين يميلون للرياضيات وهذه المواد، تكون الرياضيات ويعتبرونها أمراً أساسياً في حياتهم.

حقاً! لِمَ يتوجب عليَّ دراسة الرياضيات بهذا المستوى العالي والعميق بينما ميولي واهتماماتي تنصبُّ نحو الفن والثقافات واللغات والاختلاف حول العالم!!

أتمنى أن ينتهي عامي الدراسي الأخير هذا لأبدا مرحلتي الجامعية الجديدة بالتخصص الذي أحبه والذي سأبدع  فيه بعيدًا عن المجالات التي لا أحبها -حتى وإن واجهت مادة غير مرغوب بها، لكن المعظم سيكون محبب لي. سألتحق بتخصصِ لغات إن شاء الله، إنجليزية كانت أم فرنسية. وفي كل الحالات سأكون حققت نقطة جيدة في خطتي الحياتية. إذا التحقت بمجال الآداب ستتسنّى ليَ الفرصة للتعرف على الثقافات والبُلدان أكثر من ذي قبل. سيكون التواصل مع أُناس آخرين من ثقافات مختلفة أكثر سهولة ويُسر. سأتحدث بلغتهم التي سيستطيعون تقديم معلومات جمَّة دون تكلُّف وبأريحية مباشرة من خلالها، وستصلني المعلومة الصحيحة من أهلها ومُتحدِّثوها، وسأكون قادرة على التعرف على فنونهم وثقافتهم بشكل مقرّبٍ أكثر.

الرسم المعماري والفن الأخلاقي وفن التعامل وكل أنواع الفنون الطبيعية والتي أبدعها وابتكرها الإنسان كلها بلا استثناء تجذبني وإن لم تكن تخصصي.

وأتمنّى حقًّا أنْ يتغير النظام التعليميّ إلى نظامٍ يطوِّر من طلابه، يتوصّل إلى إبداعاتهم وابتكاراتهم، ويأخذ بأيديهم لبناء أنفسهم وبناء المجتمع.

 

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started