في يوم ما، وبعد انتهائي من المرحلة الثانوية، سأكون قد مررت في هذه الطريق مدة سنيتن دراسيّتين كاملتين. كنتُ أراقب الطريق لأحفظها. عرفتُ ملامحها وقد رسخت في علقي الآن.
تبعد المدرسة الصناعية التي التحقتُ بها في الصف الحادي عشر عن بيتنا حوالي ثلاثة كيلو مترات تقريباً، والتي نصلها بالحافلة في الوضع الطبيعي خلال 45 دقيقة بعد توقّفها عند أكثر من عشرة تجمُّعات لطالبات المدرسة، وقد تطول هذه المدة في بعض الأيام لتأخر بعض الطالبات أو لسوء الأحوال الجوية كما يحصل في أيام فصل الشتاء.
أخرجُ من البيت الساعة السادسة وعشر دقائق فأقابل شخصاً أحترمه جداً عند خروجي من بوابة برجنا السكني.. عاملُ النظافة.
أنتظر الحافلة وحدي عند مفترق الطرق الخالي من الناس صباحاً. وخلفي منطقة غالباً ما يجلسُ فيها الطلبة، تبدو كمنتزه مقّسم، تحيطُ كل منطقة أشجار تفصلها عن الأخرى. في إحدى هذه المناطق رجل يصنع القهوة، يجهّز مكانه الصغير في الصباح استعداداً للطّلبات الكثيرة خلال النهار عليها. وأظنها محبوبة لدى الكثيرين لرؤيتي أثرها على حافة المجسم التي تتسع لأن يُجلس عليها، فتكون القهوة مسكوبةً إثر تحرك أحدهم بالخطأ.
عادةً ما تأتي الحافلة في الموعد المحدد لها لذا لا أنتظر كثيراً. أصعد وأجلس على الكرسي الثاني من ناحية الباب قُرب النافذة.
وتبدأ رحلتي…
في الطريق إلى التجمُّع الثاني للطالبات، والذي تكون فيه طالبة واحدة فقط تجلس دائمًا بجواري، تخلو الحافلة من أي أصوات عدا صوتَيّ الفتاتين اللتين تجلسان خلفي. وإلى أن تمتلئ الحافلة، لا يعكّر صفو هدوء المكان سواهما.
تنتظر صديقتي وبعض المُدرِّسات في التجمُّع الثالث حيث الساحة الخضراء الكبيرة، ومجموعةٌ من الطيور التي أعتقد أنها حمام، تطير خلف بعضها ثم تهبط.
التجمُّع الرابع لا يبعد كثيراً عن سابقه. تنتظر فيه ثلاثة طالبات، ووالد إحداهنّ يرافقها حتى وصول الحافلة.
ثم نتوجّه إلى التجمُّع الخامس والسادس القريبين من السوق.
في طريقنا للتجمّع السابع والثامن، يبدأ مشهد طويل قد أكون قد اعتدت عليه الآن لمشاهدتي إيّاه يوميًا، لكنّه كان غريبًا وجديدًا في المرة الأولى التي أشاهده فيها. مجموعات متفرّقة من العمّال على الرصيف ينتظرون السيارات أو الشاحنات التي تُقلّهم إلى مكان عملهم. كان المشهد جديدًا. لم أرَ عددًا كبيرًا من العمّال ينتظر وصول المركبة من قبل.
العمال الذين ينتظرون على الرصيف، والبوابة القديمة التي تآكل حديدها- المقوسة من الأعلى والمفرّغة بطريقة جميلة- بالإضافة إلى الشجرة التي تعلو تقوّس البوابة، والتي لا تزال أغصانها فارغة من الأوراق، كلّها أصبحت مرتبطة لديّ بهذا الطريق.
بعد التجمُّع الثامن نكون قد قطعنا نصف المسافة التي ستؤدي بنا للمدرسة. في المسافة بين التجمُّع التاسع والعاشر يوجد محطة لتعبئة الوقود، ويرتدي العامل فيعها زّيه الأحمر. وعلى امتداد واحد من جدران المحطّة الثلاثة يوجد بعض ثلاجات المياه ومكائن البيع الذاتي التي تسمح لأصحاب الرحلات الطويلة التوقف للشراء منها. هذه كلّها مجتمِعة شكّلت لوحة في نظري، خاصة مع اللون الأحمر الجذّاب المسيطر على هذه اللوحة.
بعد التجمُّع العاشر يتبقى تجمّع واحد فقط، ثم طريق المناظر الطبيعية صاحبة لوني المفضل من الناحية اليمنى واليسرى للشارع، والمكان الذي رأيت فيه موقف الأم التي خرجت فجأة من باب منزلها بملابس الصلاة تحرك يديها وفي إحداهما شيء لم أعرفه إلا عندما التفتَ لها طفلها الذي كان متجهاً للمدرسة وأخذ الخبزة منها! لقد شعرت بسعادة لا توصف حينها، لم يكن هذا الموقف معي، لكنه يعني لي الكثير.
يتخلل تلك السعادة التي أمر بها يومياً– الحمد لله— حديث المدرّسات الساخر أحياناً أو الجاد، أو الذي يكون توبيخاً للطالبات أحياناً أخرى. وأحيانًا أكون مسترخيةً مغمضةً عينيّ ورأسي مرتكزٌ على زجاج النافذة في محاولة التخلص من النعاس الذي لا يزال يلاحقني بسبب عدم الاكتفاء من النوم في بعض الأيام. وأحيانًا أخرى تمتزج هذه المشاهد مع قراءتي لكتاب ما خلال هذه الـ 45 دقيقة.
ستنتهي هذه الرحلة اليومية خلال بضعة أسابيع قادمة إن شاء الله، ثم أكون على مقربة من الالتحاق بتجربة جديدة في حياتي: الجامعة.
ملاحظة/ لم أرفق أي صورة هنا، لأنه وكما تعلمون: “ممنوع منتعاً باتاً إحضار الجوال إلى المدرسة”.
Leave a comment