الثانويّة وما بعدها

الثانوية وما بعدها..

لا أزال مقتنعة أن مرحلة التوجيهي ستظل المرحلة  الدراسية الأسوأ على الاطلاق، رغم الذي قالوه بأنها ستكون ذكريات جميلة وستتمنين العودة لها بسبب سهولتها وبساطتها مقارنة لما سيأتي بعدها..
لا أنكر أبدًا أنها ستكون من الذكريات الجميلة التي مررت بها في حياتي، وإحدى السنوات التي سأظل شاكرة لله عليها لأنني تعلمت منها أكثر من أيّ مرحلة مضت -خاصة في تجربتي مع مدرستي المهنية-
لكنّ فيها بعض السلبياتها التي تُفقدها جمالها..

توجيهي هي المرحلة الأسوأ، لأنها أُعطيت تقديرًا وقيمًة أكبر من التي تستحقها بكثير. فالبعض يعتبرها نهاية العالم وأنّها تحدد مستقبل المرء وتقيس مدى نجاحه وفشله في الحياة. وللأسف، هذا صحيح إلى حد ما، لأننا بنينا ما بعد توجيهي على أساسه، غاضّين الطرف عن ظروف التوتر التي اختلقناها والتي نعاني منها.

ويوم النتائج، الجميع يترقب الأخبارعلى التلفاز والرايدو والجرائد. وقد يحصل في يوم ما أن تُشاهد النتائج في الساحات كما تشاهد مباريات كرة القدم هه! يوم قيامة مصغّر، لكن المختلف أنّ الكل ينتظر نتائج الكل…
هناك مَنْ يفرح بشدة إلى درجة أن نخسر بضع الأرواح بسبب هذه السعادة المفرطة، أو قد تمرض حياة شخص بأكملها بسبب الأمراض النفسية والجسدية التي واجهها في هذه الفترة، وهناك فئة تتلقى ما حصلت عليه دون أي ردة فعل، فيصعب على من حولهم مواساتهم أو الفرح لأجلهم لأنهم عاجزين عن معرفة إن كانوا راضين أو لا عن هذه النتائج.. وهناك فئة أخيرة وهم العقلانيون والمنطقيون.

وباستثناء الفئة الأخيرة من هذه القصة الحزينة، فإن كل ردود الأفعال السابقة سببها تلك القيمة التي قدّمناها لهذه المرحلة “المصيرية” وكما يقولون: ” -يا فرعون مين فرعنك؟ – ملقتش حد يلمنى”

قلت ذات مرة لمعلمتي: “لماذا لا نصبح كالدول التي لديها نظام تعليمي غير ممل وأكثر جاذبية من الموجود لدينا؟” سألتني أين توجد هذه الدول التي أتحدث عنها، فقلت لها: “في بعض الدول الأوربية، فنلندا مثلاً، كنت قد شاهدت في فيلم وثائقي اسمه طلاب بلا حدود أنه لا يوجد عندهم اختبارات رسمية، فيكون هناك قبول أكثر من الطلبة على الدراسة، ولا يعتبر المعدل العامل الأساسي لقبول الطالب في الجامعة” فضحكت وقالت: “واحنا إيش دخلنا في بلاد أوروبا”.
هذا مثلًا نموذج قبول وخضوع لوضع لا نريده، لكننا نطبقه بصمت، ولا نبدي أي تمرد عليه.

لماذا لا ننظر لمن هم أعلى منا مقاماً في المستوى التعليمي، لنتعلم منهم ونطبق بعض المهارات التي استخدموها في تطوير ذاوتهم، حتى نصل إلى مستويات أعلى وأفضل في سبيل رفعة وتقدّم المجتمع. قد يكون ذلك عن طريق استخدام واستغلال أفضل لمهارات وقدرات العنصر البشري؟ قد يقول أحد من أؤلئك الذين لحقوا بركب العادات المملة: “اللي يطالع فوق يتعب” لكنني أعتقد أن هذه المقولة لا تقال ولا تقاس على كل المواقف، يعني من وجهة نظري، يمكننا أن نقول هذه المقولة كمواساة لشخص تعب وسعى وأخذ بالأسباب وتحمّل من أجل الحصول على ما يريد كل الصعاب، رغم ذلك لم يحصل عليه، لأنه مكتوب له أن يعمل لأجل هذا الشيء وأن لا يحصل عليه، وهذا طبعًا وبلا أدنى شك لحكمة ربّانية بالغة. أمّا أن نكون في بداية نقاش لعرض فكرة جديدة بصدد التغيير إلى الأفضل، فإنه من العيب ذكر هذه المقولات المحبطة –في هذا الموقف- لأنه من العيب منع وتثبيط الهمم التي تسعى إلى التقدم والتطور سمعًا وطاعًة لما اعتدنا عليه، ولأذكّر من سيقول تلك المقولة بتتمتها: “واللي يطالع تحت تنكسر رقبته”

أمّا بالنسبة لما بعد الثانوية.. فالجامعة، والعمل، والاختلاط بالناس، هذه كلها تكون برغبة المرء وإرادته، فإذا كان المرء يريد أنْ يكمل مسيرته التعليمية ويرغب بتطوير نفسه أكثر ليصل إلى القمة، فإنه سيختار المجال الذي يحبه في الجامعة ويبدع فيه ويحصل على أفضل النتائج، ولا أعني بأفضل النتائج: المعدل، إنّما المعلومات والمهارات التي سيتعلمها ويحصل عليها ويكتسبها من هذا المجال. لذلك من يختار إكمال مسيرته التعليمية بنفسه، فإنّه سيتحمّل في سبيلها أيّ شيء..
وعلى هذا الأساس، أعلمُ جيدًا أن الحياة في الجامعة وما بعدها ستختلف كثيرًا، وستتعقد بعض الأمور، وسأواجه مواقف وتحديات جديدة.. لكن نسبة الاستعداد لتحقيق الأهداف التي وضعناها لأي مرحلة جديدة في حياتنا، ونسبة الاستعداد لمواجهة هذه الصعوبات، يشكّل فارقًا مهمًا يميّز الناس عن بعضهم، ويمّز الذين انساقوا مع بحر العادات عن الذين أرادوا التغيير إلى الأفضل وساروا عكس التيار..

بالمناسبة، ذلك الفيلم الوثائقي الذي ذكرته مسبقاً، هنا الحلقة الأولى، ويمكنكم إيجاد الأربع حلقات الباقية بسهولة.
خمس حلقات كلها جميلة، وكلها تبعث في النفس رغبة التقدم في التعلم للوصول إلى الأفضل، لأننا قادرين على أن نصل إليهم وأفضل منهم، لكنّ الشرط أن نبدأ التغيير من أنفسنا أولًا، ثم سيظهر التغيير تدريجياً.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started