هناك اختلاف كبير وفجوة عميقة بين الواقع، والعالم الذي نرغب بالعيش فيه، تمامًا مثل تلك الفجوة الشاسعة التي تكون بين حاكم ظالم مستغل لمن تحت حكمه، ورجلٌ من اولئك الذين يعملون ليل نهار في زمن ذلك الحاكم، يأخذ الواحد منهم أجرته بعد أن يجف عرقه ويكاد لا يُشبع اهله من تلك الأجرة الضئيلة جدًا مقارنة بالجهد المبذول.
مع كل المؤثرات التي تطرأ على حياة المرء بغير رغبته غالبًا، يضع الواحد منا هدفًا لذاته متناسيًا كل ما حوله، لكن الحقيقة التي تشدّنا إلى الواقع تُنكّس رؤوسنا وتُحبَط همتنا ونصبح شخصًا آخر لا صلة تربطنا مع ذاتنا الحالمة.
لكننا نصر أن نغير حياتنا، وأن ننتشلها من تلك البقعة المشؤومة التي لا شيء فيها غير البؤس، وأن نمحو الأفكار المعيقة من عقلنا ليحل محلها أفعال أكثر تأثيرًا على ذواتنا. فنبدأ برسم تفاصيل هدفنا ونقسمه إلى أجزاء صغيرة قابلة للتنفيذ مع أجواء المحيط البائسة..
ومع تلك المحاولات كلها، قد يطغى البؤس أحيانًا حتى على فكرنا.
في تلك اللحظة التي نصل فيها إلى القاع، بعدما يأسنا وتمت السيطرة على أدمغتنا بشكل كلي أننا لن ننجح، وفقدنا الثقة بالجميع وخُذلنا من الذين نحبهم وتُرِكنا وأصبحنا وحدنا، يُطل من مكان ما شخصٌ لطالما أحب أن يعيش معنا تفاصيل حياتنا، راقبنا من بعيد وراقب تلك السعادة التي كنا نعيشها مع السابقين والتي لم يظهر زورها إلا عندما حصل أمر حاسم بيّن الحق والحقيقة.
ذلك الصديق الذي أطلّ علينا وقت حاجتنا وفراغنا من كل شيء عدا الحقد والكراهية التي كنا نُكِنُّها في أنفسنا على ذواتنا أكثر من التي نكنها على المسببات التي أوصلتنا إلى هذه الدرجة من الرداءة وعدم المنفعة، لأننا لم نكن قد احتطنا بما يكفي من كل شيء وكل أحد محيط، ولم نكن قد انتشلنا ذواتنا من تلك المحيطات المقرفة التي اضطررنا للعيش فيها ولو بحبل محاولة واحد على الأقل، بل تركنا أنفسنا نمشي مع القطيع بلا تفكر..
ذلك الصديق الذي فهم حاجتنا الماسة لوجود أحد ما رغم مكابرتنا وقولنا أننا لم نعد نريد أحدًا خوفًا من الفقدان أو من تكرار المصيبة وانهيالها علينا مجددًا، ذلك الصديق عاش حياة سلبية أيضًا وإن كانت أهون من التي عشناها، وأقر هو بذلك.. وهو ذاته الصديق الذي سنسند أنفسنا عليه ويسند نفسه علينا بكل ثقة دون خشية أنه سيتركنا، لأنه عندما جاءنا لم يكن لدينا شيء نحسد عليه، بل كنا في قمة الفراغ واللاشيء.
سيوبخنا بشدة عندما نركد وإن تطلب الأمر فإننا سنتلقى صفعة تؤلم روحنا على حالها فننهض من أجلها مجددًا، وهو ذاته الذي سنكون قادرين على اخباره كل تفاصيلنا التي لطالما رغب بمشاركتها معنا..
لقد حصل الصديق على ما يريد في النهاية، وصار واحدًا من أهم الأشخاص في حياة من أراده دومًا أن يكون معه، وعلم تفاصيله وشاركه الكثير من الذكريات الجميلة التي لم تكن بالحسبان. كان ذلك كله نتيجة حسن اختياره لوقت تنفيذ خطته التي عمل عليها مطولًا ومضى بها شيئًا فشيئًا حتى وصل إلى الهدف.
قصة هذا الصديق هي تصغير لخططنا الكبيرة لحياتنا، صحيح أنه قد تقف الكثير من الصعوبات والعوائق أمامنا، لكنني أؤمن أن كل شخص قُدّرت له صعوبات هو قادر على تخطيها كلها وإن استغرق هذا الكثير من الوقت لكن على المرء أن يسعى وأن لا يسمح لنفسه ان يتوقف وأن يستمر بالتفكير بالشيء ذاته طوال الوقت.. فالإنسان الذي يرسم خطة لهدف يريده حقًا، يضع خطة كاملة ما استطاع، ويتوقع كل الصعوبات وكل المعيقات ويحاول التفكير بحل لها قبل حدوثها، ووضع خطة بديلة في حال لم تنجح الأولى.
وعندما يشعر أن كل شيء توقف فعليه أن يساير التيار لفترة وجيزة ويتوقف معه، يأخذ قسطًا من الراحة، يهرب فيه من الواقع ليريح ذاته وعقله قليلًا ثم يعود عندما يستجمع طاقته التي ستعينه في استكمال وضع للخطة وتنفيذها. –أعتقد أن النوم حل مناسب للهرب من الواقع كما قيل لي مسبقًا-
الحياة ليست سهلة، لكن على المرء ان يسعى لتبسيطها قدر المستطاع، وأن يسعى لإيجاد ذلك الصديق الذي سيكون دائمًا معه وإن لم يظهر ذلك من المرة الأولى، والذي سيكون له عونًا وسندًا دون تردد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.
يحصل أن نجد صعوبة بالغة في إيجاد ذلك الصديق الحق، لكنه لن يظل صامتًا مراقبًا حتى ينتهي أمرنا إلى التراب.

Leave a comment