واهْجُرهُمْ هجرًا جميلًا

السيد الجميل

يتجهز السيد الجميل يوميًا في تمام الساعة السابعة صباحًا ليجالس البحر ويحظى بالهدوء قبل أن تنهال عليه تهليلات الاستقبال من الأطفال الذين ينتظرونه كل يوم بعد قدومه من البحر كي يروي لهم من حكاياته وتجاربه الكثيرة التي تمكنه أن يجلس طوال اليوم كي يرويها لهم.
إنه في السبعين من عمره. إنسان رائع جدًا، وأبٌ قدوة لأبنائه في كل شيء، يحبه كل من حوله في تلك القرية الهادئة قرب المدينة..
يحب الأطفال ويحب أن يشاركهم الكثير من الوقت.. إنّه يؤمن أن الطفل لَبِنَةُ المستقبل، وأن عليه أن يحظى بالكثير من الاهتمام في الصغر كي يشعر أنه مهم وأن له هدف من وجوده.

ماضٍ مزعج

عندما كان السيد الجميل شابًا، كان لديه الكثير من الآمال والأحلام، سعى جاهدًا بكل الطرق أن يحققها رويدًا رويدًا، لكنّ حدثًا تداخلت به أحداث أخرى تراكمت كلها على بعضها وكانت النتائج سلبية.

توقفت حياته تقريبًا. لم يعد يحب الناس اطلاقًا، لم يعد يثق بأحد، ولم تعد لديه آمال أخرى، فقد توقف عن إعمال عقله فيما يحب، بل كان ما يشغله دائمًا: “الناس”!
مرت فترة طويلة ضاع فيها الكثير من الوقت لم ينجز فيها ما يذكر. لكنه وفي وقت ما، أدرك أن هناك طريقة ناجحة جدًا في سبيل الانطلاق مجددًا، لكنها صعبة جدًا في الوقت ذاته، ولمن أراد أن يستخدمها أن يضبط زمام أمورة جيدًا كي ينطلق.

“وأهجرهم هجرًا جميلًا”

قرر السيد أن يضع النقاط على الحروف أخيرًا، بعد فترة السبات التي استغرقت من عمره حوالي خمس سنوات!
رسم خطة محكمة، وبدأ بالتنفيذ على نهج الهجران لمن حوله بما لا يضرهم وينفعه.
لم يستخدم منهجية الهجران مع الناس انفسهم إنما مع أحاديثهم وأفكارهم السيئة والمحبطة.. صار اجتماعيًا أكثر وصار وجوده في مكان ما حدثٌ رائع جدًا ومرحب به أكثر من أي وقت مضى.
لم يعد يهتم كثيرًا بما يقال عنه، بل أصبح يتعامل مع كل ما حوله بطريقة إيجابية يصبها في مصلحته مهما كانت.
وصار دقيقًا في حركاته دائمًا، يلعب مع نفسه لعبة المحقق الذي لديه قضية كل يوم وعليه حلها، يلاحظ ويستمع وينظر إلى كل شيء بصبر جم في سبيل جعل المحيط كله في صفه لحل القضية، تاركًا كل الترّهات والأحاديث غير اللازمة لا يعيرها اهتمامًا.
لقد غيّرته منهجية الهجران الجميلة هذه إلى ما لم يكن يتوقعه.. لأنه أدرك أن كل تصرف صادر من أي شخص كان، سيلقى مؤيدين ومعارضين، لكن الشجاع هو الذي يستمر بالمضي متخذًا من حديث معارضيه نصائح يطور بها نفسه وسلمًا يرتقي به.
لقد أكّد له بعض معارفه في فترة شبابه من المقربين إليه أنه إنسان رائع، وأن مستقبله في مجاله سوف يكون مزهرًا. كانوا دائمًا يقولون له أنّ جوهره نقي لذلك سيلقى ما يسره في المستقبل لكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت. وها هو ذا أصبح في السبعين من عمره لديه أجمل ما يمكن للمرء أن يحصل عليه، لأنه نابع من رضى الله، وهو قَبول أهل الأرض له.. ذلك لأنه اتخذ وسيلة جميلة ليحافظ بها على نفسه أولًا ومن ثم على علاقته مع الناس..
كانت هذه المنهجية الناجحة، والتي بحاجة إلى جهد كبير، سببٌ كبير في وصوله إلى كل رغباته واحتياجاته.. وكان دائمًا ما ينصح أطفال الحي في نهاية حديثهم: “تذكروا دائمًا أن تتحركوا كأنكم في مهمة سرية، تحتاج إلى صبر وحذر شديدين. وأن عليكم أن تلاحظوا وتسمعوا كل شيء، ليس في سبيل التصرف على أساس ما قيل، بل في سبيل جعل ما قيل نقطة في صالحكم وفي صفكم لتوجهكم إلى حل لغز هذه المهمة، كي تعودوا منتصرين في النهاية..”

بالمناسبة..

لقد سمي بالسيد الجميل من أحد أطفال القرية الذين يقدرونه حقًا، ويقدرون جمال ما فعله لنفسه من ذلك الهجران الجميل، وجمال ما يدرسّه لأطفال القرية الذين سيكونون من الناجحين لأنهم اتخذوا الآية الكريمة: ” واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرًا جميلًا” مبدًأ ليستمروا على أساسه حتى الوصول إلى الهدف.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started