لم أكن أسترق السمع حينها لكنهم جلسوا في ذات المكان حيث كنت أتمدد على الفراش الأرضي أستعد للنوم. لا أعلم هل ظنّوا أني نائم أم أنهم لم يكترثوا لوجودي. بدأوا بالحديث عن بعض المشاكل التي كنا نواجهها خلال تلك الفترة وكان الكبار يوَجِّهون لمن هم أصغر منهم حكمٌ تمكنهم من اجتياز وتخطي تلك المحن. فوجدت نفسي في حضرة درس مسائي..
لا أعلم بالتحديد عن أي مشكلة كانوا يتحدثون في خضم تلك المشاكل الكبيرة والكثيرة والتي تهلك كاهل المرء. لكن النصائح كلها كانت تنهال كالمطر من فم الكبار بصوتهم المتعب مما حملته لهم الحياة، والمليء بالحكمة والمحبة والأمل. كان الكبار يتحدثون عن مواقف حدثت لهم وكيف تعاملوا معها، لكنّ صوتًا من الأصوات أعرفه جيدًا، لكنني لم أعرف البتة أن صاحبه خاض كل تلك المصاعب في حياته ولا يزال واقفًا شامخًا يحبه ويهابه الجميع، بلا استثناء.
لم أركز على نصائح أحد عداه، لقد كنت محظوظًا بالكم الكبير من تلك الحِكم التي غمرتني وغيرتني حقًا من تجاربه.
لقد قال..
“العناد.. أساس الكثير، ذلك إن لم يكن كل المشكلات التي نواجهها. اللين امر مهم على المرء أن يتحلى به، وأن عليه أن يتنازل عن بعض الأمور إن كان التنازل عنها سينهي المشكلة ويخفف النزاع. التنازل ليس عيبًا بل ذكاء إن نفذته في الوقت السليم.. لا يجب أن تشعر أنك استصغرت نفسك عندما تتنازل عن أمر ما، بل قدّر ذاتك أنّك ضحيت بما لديك من أجل المصلحة العامة، وقال عليه الصلاة والسلام: “رحم الله امرء ترك الجدال ولو كان محقًا”.
“الحياة كلها معاناة وامتحان، ليس فقط وقت المصيبة، بل حتى وقت الراحة.. فالله يمتحننا ماذا نفعل في وقت راحتنا وكيف نمضيه. وقد بدأت معاناتنا من أول يوم حملتنا به أمهاتنا في بطونهن.. ألم يقل الله جل جلاله “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ”.
لقد قال.. تلك الدمعة التي تنزل من أجل شيء غير مخافة الله، عاقب نفسك عليها، وحدّث نفسك: اهو من أجل الله؟ أمن أجل الدين؟ أم من أجل شيء زائل في دنيا دنيّة؟.. فما من شيء في هذه الددنيا يستحق أن تذرف ما وجهك من أجله مهما كان. ومهما كانت المصيبة احتسب كل شيء لله.
“السماح والصفح من أصعب الأمور، لكنها من أكثرها راحة للبال والخاطر، قد تُظلم وقد يُساء إليك.. لكن عندما تعامل الناس بخُلُقك لا خُلُقِهم فإنهم يستحون منك ومن أنفسهم ومما بدر منهم من قُبح في التصرف، عندما تسامح وتصفح، وتدع الخلق للخالق، فإن من أوكلت له أمورك كلها لا ينساك وإن تأخر، فالله يُمهل ولا يُهمل.”
لقد تحدّثوا كثيرًا، أكثر من هذا كله بكثير.. لكنه كثير وثقيل على نفوسنا إن قيل في التوقيت الخطأ.
ذلك اليوم، لا أذكر أنه انتابني النعاس بعدما انفضّوا من حولي، وشرعت أحاسب نفسي وأستذكر بعض المواقف المشابهة للتي ذُكرت وكيف تصرفت فيها وكيف يمكنني التصرف وفقا لتلك النصائح التي انهالت علي بلا أي مقدمات، وبدأت أرسم لنفسي السيناريوهات التي يمكن أن أمرّ بها مسقبلًا وكيف علي التصرف تجاهها بالحسنى وبما يليق بس وبخُلقي وديني.
يقول البعض أنهم يعيشون يومهم لا يفكرون بغدٍ أبدًا، قد يكون ذلك صحيح في بعض الجوانب ونأخذ فيه في بعض المواقف، لكنّ قناعتي أنني أعيش من أجل المستقبل، سواء لمستقبل الدنيا أو لمستقبل الآخرة. نسعى اليوم من أجل اليوم والغد معًا، ونأخذ بالأسباب من أجل اليوم وما نتوقع حدوثه. لذا، أن نستفيد من كل تلك النصائح التي تأتي من غير موعد ونطبقها من أجل حياتنا، وسمعتنا الطيبة عند مماتنا، ومن اجل مستقبلنا الذي سيحدده لنا عملنا اليوم والأمس. سواء كان مستقبل الجنة و غيرها
فحصاد اليوم غِراسُ الأمس، وغرسُ اليوم غدًا يُحصد.. 🙂

Leave a comment