رحلة سفري الأولى | طريق مصر

موافقة
ثمة أمور كثيرة علينا أن نأخذها بالحسبان لكن الأمر سار في المسار السليم.
وافق والدي أن يصطحبني معه في رحلته العملية إلى تركيا. وهنا كانت البداية، عندما سارت الأمور على النحو السليم وسارت إجراءات السفر بسلاسة وبات كل شيء على ما يرام. حصلت على الفيزا الخاصة بي لدخول تركيا وبدأت أرتب أغراضي.

مُرجع (رحلة١)
إنه اليوم المنظر. انطلقنا في السادسة صباحًا وصولًا إلى صالة الانتظار الفلسطينية الخارجية للمعبر. لم أكن أتوقع أن الأمور ستسير بهذا النحو، كان كل شيء سريع كما لو أننا أشاهد مقطعًا مُسرّعًا عما يقوله الناس. لم تكن الأمور كما يتداولها البعض عن المعبر. لم أصدق أن رحلتي ستكون سهلة بهذا الشكل خلافًا عن الجميع.
كنت سعيدة عنما وصلنا إلى الجانب المصري. عندما رأيت الجنود المصريين للمرة الأولى، وفهمت ما معنى أن يقول عنا الأجانب أننا متشابهون! لقد رأيتهم متشابهين حقًا. وكنت أميز بين المصري وغيره من شكله، لا أدري كيف يحصل هذا لكنه الدم المشترك بينهم غالبًا. بشرة سمراء انتُقِعت بأشعة السمش فصارت لامعة. أعينهم بدت لي كأنها مكحلة، مشيتهم التي ينتفض فيها الواحد منهم نفسه ويحرك يديه وكتفيه ذهابًا وإيابًا مع كل خطوة. ولهجتهم التي لطالما أحببتها. كنت سعيدة في الجلوس ومراقبتهم والتعرف عليهم. هم لا يمثلون إلا أنفسهم، لكنهم في النهاية جزء من هذه البلاد ويعكسون طريقة عيشهم بطريقة أو بأخرى.
يجب الآن أن نصطف لتسليم جوازاتنا للعاملين كي يختموها. ثم إما أن نمر بسلام أو أن نعود أدراجنا مكسورين.
إنه دوري الآن. أعطيته جوازي. لكنه نظر إلي نظرة مؤذية ثم قال: “هو انتي دخلتي ازّاي!” لم أفهم، ما الذي يعنيه بكيف دخلت! مع الجماعة، في الحافلة! وثمة ختم دخول من الجانب الفلسطيني سُمح لي من خلاله أن أدخل إلى الصالة المصرية.
كان والدي خلفي في الصف، فاستأذن حضراتهم بالتدخل، وبدأ يشرح لهم.. لأن جوازي إيرلندي، وليس عليه ختم دخول إلى غزة بعد أن جددته ووصلني بالبريد، رفضوا قطعًا أن يكموا الإجراءات.
“طب جوازها القديم فين؟” قال لهم والدي أنه من سيستخدم جوازًا لم يستخدم منذ 20 سنة، وأنه ليس معنا. لكنه كان بحوزتي. ذهبت وأحضرته بسرعة، لكنهم ما إن رأو ختم الدخول من معبر إيزر، في عام 1999، اعادوا لي الجواز. “أجيتي عن إيرز اطلعي عن ايرز”.
سعى والدي أن يشرح لهم وأن يحاول أن يجد من يساعدنا. لكن شيئًا لم يحدث. وانتهت الحكاية.
انتظرت في الصالة المصرية حتى المغرب. جالسة أراقب الناس وهم يحملون حقائبهم وينطلقون إلى وجهاتهم والدمعة تخنقني. لم أبكِ أمامهم قط، لكن القهر كان في داخلي يدمرني.
في حين جلست على بوابة الصالة أنتظر متى سيفرجون عنا ويعيدوننا إلى أهلنا، كنت أراقبهم وبدت أشكالهم كلهم كالأشباح المقززة التي تفسد كل ما تطأه قدمها.
رأيت الكره في عينهم وتعاملهم وطريقة حديثهم. لم يكن الاحترام حاضرًا لا لكبيرٍ ولا لسيدة. ولا ابتسامة لطفل. لا شيء.
انطلق والدي في رحلته، وبقيت أنا في انتظار الفرج.

****

مرة أخرى
بدأت العمل على إجراءات السفر من جديد. جواز سفر فلسطيني، تسجيل للمعبر، انتظار الاسم حتى يظهر في الكشوفات اللعينة التي تشكل بداية الرحلة الملعونة تلك للسفر.
تعلمت كثيرًا. وتغيرت وجهة نظري حول الأمور. لم تكن فترة جيدة بالنسبة لي لكنها مضت.
بعد مدة مؤلمة وسيئة مررت بها، حاولت فيها التأقلم والتعلم بعدم التعلق بأي شيء. جاءت اللحظة المنظرة للمرة الثانية. اسمي في الكشف مجددًا، وغدًا موعد السفر للمرة الثانية.

انتظار (رحلة٢)
إلى الصالة الفلسطينية الخارجية مجددًا. إنه المشهد ذاته؛ أناس كُثر، حقائب سفر لا تحصى، وجوه عابسة، أو بعضها ربما يتصنع الابتسامة، أو يحاول تغيير جو الكئابة المسطير. الرجل نفسه ينادي أسماء المسافرين كي يصعدوا إلى الحافلة، مسافرون يركضون كي يذهبوا لحجز مقعد في الحافلة التي ستكتظ ما إن تنتهي عملية مناداة الأسماء تلك. أناس مودعة، أمهات تبكي وأبناء يقبلون أيادي ورؤوس ذويهم.
إنها المشاهد ذاتها. لا جديد.
وكثير من الانتظار.
إسمي في الباص الثالث. ما إن انتهي من مناداة أسماء المسافرين في الحافلة الثانية قال: ” الباص الثالث يستنوا” لكنها كانت “استناية” طويلة، جاء بعدها أن “العمل انتهى لهذا اليوم” والنتيجة أن الحافلة الثالثة ستنطلق غدًا.

***

عطل في الشبكة (رحلة٣)
إنها المرة الثالثة التي سأذهب فيها إلى الصالة الفلسطينة الخارجية. “والله لو إنه دوام”.
وصلنا. ما إن وصلنا حتى نادى المنادي لدخول المسافرين للحافلات “سمية مقداد”. ذهبت. ركبنا الحافلة، وانطلقنا إلى الصالة الفلسطينة الداخلية. لم يكن ذلك سريعًا طبعًا. بل أبطأ ما يكون، لكن البطء في هذه الرحلة صار جزءًا منها، وأنه على المسافرين تهييئ أنفسهم للانتظار الطويل اللامتناهي للاسبب.
وصلنا إلى بوابة الصالة المصرية. طبعًا لا ندخل إلا بإذن الباشوات المصريين في الداخل. خلال ساعات الانتظار صرنا عائلة الباص الثالث وكلنا حفظنا بعضنا.
انقسم الباص الثالث إلى اثنين، الأول قد دخل إلى الصالة المصرية، والثاني، أي نحن، لا زلنا ننتظر رضاهم ليدخلونا إلى الصالة لتبدأ إجرارات السفر الممطوطة والبطيئة.
لكن هذه المرة، كانت ساعات الانتظار أطول من المعتاد، ثمة أمر غريب. فنحن ننتظر، والأصدقاء في الداخل ينتظرون لم يبدؤوا بإجراءاتهم للسفر حتى ساعات العصر. لكن المشكلة العظيمة والحجة التي لا يمكن ردها ظهرت أخيرًا: ” عطل في الشبكة” !
واللله جد؟! هل يمكن لعطل في الشبكة أن يؤدي إلى عطل في العمل إلى هذه الحد؟ وفي مكان كهذا؟ طبعًا نحن نعلم أنه كذب وافتراء، وإن كان صدقًا فأنا نفسي لن أصدقهم البتة. ثمة أمر آخر ومشاكل متبادلة بين الطرفين المصري “العظيم” والفلسطيني. فبينما كنا ننتظر، مرت العديد من السيارات الفخمة لمعالي فلان وعلان من الذين يحاولون حل المشكلة من الطرف الفلسطيني. لكن شيئًا لم يحدث. فقد كان الباص الثالث عالقًا في الطرفين، أحدنا في الخارج والآخر بالداخل بلا حيلة.
إلى أن جاء القرار الحاسم: ” الباص الثاني، اللي ينتظر على البواب يرجع غزة، ومتى يفتح المعبر ثاني همة أول باص، والباص الأول الموجود في الصالة المصرية سوف يبدؤون بالعمل معهم”
– طبعًا بعد ما جابوا مصلح شبكات من القاهرة يحل لهم المشكلة. هه!!
كانت ردود الأفعال عكسية تمامًا، بعد حوالي 7 ساعات انتظار وربما أكثر على البوابة المصرية، عُدنا والكل يضحك، لكنني متاكدة تمامًا أنهم كانوا يشكون الى الله ذلك الظلم. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
عُدنا مجددًا إلى غزة.
حسبي الله فيهم بس.

في انتظار يوم الأحد كي ننطلق مجددًا لأداء مراسم السفر الغبية. لم أكن على ما يرام طبعًا خلال يومي الانتظار فقد طفح الكيل، لكن، ما باليد حيلة.

رحلة 4
انطقلنا مبكرًا هذه المرة، فاليوم سننطلق أول حافلة من الصالة الخارجية الفلسطينية وصولًا إلى الداخلية ومن ثم الصالة المصرية لننتظر مجددًا جاهلين هل ستكون الأمور جيدة وننطلق إلى مصر أم نعود أدراجنا إلى غزة.
دخلنا الصالة المصرية، كانت فارغة باستثناء المرضى الذين دخلوا قبلنا. اسرعت في تعبئة الورقة الصغيرة التي سأسلمها مع الجواز لختمه، فكلما أسرعنا في حجز الأماكن الأولى في الطابور، كلما كانت فرصة الخروج أسرع. اصطففت وقدمت ورقتي وجواز السفر، أخذوا بصمة العين واليدين. وحان وقت الانتظار مجددًا.
ثمة عدة مراحل قادمة من خلالها ستعلم هل أنت من المحظوظين فتخرج من تلك البقعة الجهنمية نحو وجهتك أم أنك ستعود أدراجك. المرحلة الأولى بعد تسليم جواز السفر هي مناداة الأسماء للاصطفاف في طابور في غرفة أمام نافذة يقف خلفها عامل لتُسأل أين وجهتك وما إذا كانت معك أوراق ثبوتية لمرض أو إقامة أو غيرها. فيكتب العامل أين وجهتك على الورقة ذاتها التي كنت قد كتبت بياناتك عليها في البداية وسلمتها مع الجواز، ثم تخرج مجددًا لتنتظر. المرحلة التالية إما أن تنتقل إلى المخابرات فيسألوك ويحققوا معك لأسباب تخصهم، وإما أن يُنادى اسمك مجددًا لتستلم جوازك وتتجه إلى خارج الصالة المصرية نحو وجهتك. وإن لم ينادى اسمك بعد السؤال الأول أو الثاني فالغالب أنك من المُرجعين والله اعلم. عملية معقدة جدًا للاسبب. بل هي مبنية على أساس التنكيد علينا وتعجيزنا.
انتظرت وقلبي واقف يتطلع متى سيُنادى أسمي مجددًا.
ثمة اثنين يناديان الآن، أحدهما ينادي المناداة الأولى للسؤال عن الوجهة والآخر لتسليم جوازات المسافرين الذين سيتمكنوا من الانطلاق بعد أخذ جواز سفرهم. بدت الأمور مشتتة ولا تساعد في التركيز، فاقتربت من المُنادي الذي اعتقدت أنني سأسمع اسمي عنده. وسمعته فعلًا!
يالفرحتي!
لم أكن أتصور أنني وأخيرًا بعد دوامي في المعبر ورحلات الذهاب والإياب من غزة إلى رفح لعدة أيام متتالية، وانتظاري لتلك الأيام المريرة، لم أكن أتصور أخيرًا أنه يمكنني أن أنطلق.
أخذت جوازي وملأت الدموع عيني شاكرة حامدة الله على فضله. وانطلقت أبحث عن الذين عرّفَتْني عليهم هذه الرحلة ممن استلموا جوازاتهم مثلي، وسرت معهم.
شكلنا مجموعة من السيدات والرجال والشبان وانطلقنا في الحافلة باتجاه مصر، مطار القاهرة.
(يتبع…)

***

رحلة طويلة
بدأت رحلة طريق سيناء. سأنسى كل ما مضى، وسأستمتع بهذه المناطق الجديدة التي سأراها للمرة الأولى. هكذا حدّثت نفسي.
سأحكي لكم كيف كانت رحلتي بنظرتي التي أؤمن باختلافها عن النظرة العام تجاه الأمور. وإيماني هذا ساعدني في حياتي كثيرًا بأن أغض الطرف عن السلبيات القاتلة والمدمرة. وساعدني إيماني كثيرًا في رحلتي هذه.
لا امتلك أي صورة لأريكم، لذا افسحوا لمخيالاتكم المجال.
بدأت رحلتنا عندما اكتملت الحافلة وانطلقنا خارج الصالة المصرية، أخذ السائق جوازات سفرنا، لم أعلم السبب لكن الطريق كفيلة بأن تشرح لك كل شيء دون السؤال.
توقفنا عند البوابة، فتح الضابط الباب وأخذ جوازات السفر من السائق وبدأ ينظر إلى الجوازات في يده ثم يبحث عن أصحابها من الجالسين. ومن الجدير ذكره أن هذا الضابط قد قابلنا وودّعنا بابتسامة أتذكرها جيدًا. ثم خرجنا من البوابة.
كان العالم في الجانب الآخر مختلفٌ تمامًا. غبارٌ كثير، بيئة صفراء غير نقية، كثير من الشاحنات. ويكأنني دخلت إلى باب عالم بائس ينازع على شفا حفرة.
“يا جماعة، عند الكمين ممنوع تكلموا تيليفونات خالص” قال السائق هذا مؤكدًا أن هذا لن يكون في صالحنا. لم أكن أعلم ماذا تعني كلمة كمين، ظننت أنها مكان ما سنمر عنه وينتهي الأمر، لكن كما قلت، الطريق كفيلة بأن تشرح لك كل شيء دون أن تسأل.
لم أنم أبدًا خلال تلك الطريق الطويلة، كان النعاس يتملكني لكنني كنت أقاومه لرغبتي في مراقبة الطريق، فهذه مرتي الأولى، ولأن السفر وحدك يحتاج إلى انتباه كثير مهما كثر من حولك. وصلنا إلى نقطة تفتيش أخرى، والروتين هو ذاته يتكرر: يُفتح الباب، تُأخذ الجوازات، يتأكدون من أننا نحن أصحاب الجوازات، ثم ننطلق مجددًا.
سرنا في طريق طويل في منتصفه أشجار كبيرة معمرة، لا أدري كيف عمّرت في ظل ذلك الخراب ولكن الله بث فيها الروح غالبًا. ذكرتني هذه الأشجار في منتصف الشارع في سيناء بشارع صلاح الدين في غزة عندما كنا نذهب إلى رفح قبل أن يصبح الطريق كما هو عليه اليوم، خط سريع. ثم وصلنا إلى منطقة فيها أثار القصف في سيناء بشكل ملاحظ جدًا، بيوت على جانبي الطريق، مهدمة ومهشمة كالبسكويت فوق بعضها، تركها أصحابها عنوة ولا قدرة لهم على الذهاب إليها في أي وقت لاقتناء ما تبقى لهم منها. هذا ما ترويه الحكايات.
كان الجو صامتًا وبلا مشاعر. لا أُناس في الوسط إلا الضباط الذين نمر عليهم باستمرار.
بدأت الطريق تبدو أكثر حيوية من التي سبقتها، يبدو أننا اقتربنا على أحياء سكنية، فقد رأيت بعض الرجال في الطريق. وصلنا منطقة العريش. لم يكن الجو العام أفضل من تلك الطريق الميتة، لكن ثمة حياة هنا.
ثم مررنا بطريق مليئ بمنازل جميلة جدًا، لكنها مهجورة على نا يبدو، لم يكن ثمة حركة حولها.
“هذي الفلل/البيوت معظمها لناس غزازوة كانوا عايشين بعز هان” قال رجلٌ مصريٌ كان يرافقنا في الحافلة، كان يُحدِث الرجال في المقعد الأخير، يبادله الحديث شاب يدرس في مصر حيث كانت الطريق مألوفة لهما، ليست رحلتمهما الأولى غالبًا، فقد كانا يعرفان الطريق وتفاصيلها وحكاياها.
ثم وصلنا إلى حي بدا وكأنني رأيت مثله من قبل. أبراج متجاورة بشكل مألوف. تذكرت حينها ما قاله لنا والدي عن حي الزهراء في منطقة الوسطى في غزة أن معظمه أناس قدموا من مصر، فنظام المباني والبيوت والحياة في حي الزهراء يشبه بشكل كبير أجواء الحياة في مصر.
مررنا بجامعة سيناء، ورأيت مبنى كلية الهندسة وكلية تكنولوجيا الاعلام. أتسائل هل يدرسون فيها أم أنها متروكة؟ لا أدري سبب تساؤلي هذا، لكن عند ذكر منطقة سيناء يخطر ببالي أنها مكان غير قابل للعيش، مهجور وميت. لم أكن أنتظر أبدًا أن أرى جامعة في الطريق!
وصلنا إلى منطقة تفتيش أخرى. فتح الضابط الباب، ومزامنة لفتحه الباب وصلت كثير من الاشعارات لهواتف المسافرين في الحافلة. فنظر وقال: “أنا مش عارف ليه كل ما توقف سيارة عالكمين بترن الموبيلات والكل بسير يتكلم! انتو مش عارفين أن ممنوع تمسكوا الموبيلات في الكمين!” قال ذلك بابتسامة خلاف ما توقعت!
لقد وصلنا إلى الكمبين إذن، المكان الذي تحدث عنه السائق من قبل.
ثم قال: “طيب ماشي، بس عشان الأسطى نسي يقلكم أنو ممنوع، أنا مسامحكم، ومش هنفتيش الشنط، وربنا يسهل عليكم! يا سادة welcome you to your second country “! كنت سعية بهذا الضابط للطفه وبشاشته وترحيبه بنا بتلك الطريقة.
لقد أخبرنا السائق الذي صعدنا معه في البداية أنه يمنع استخدام الهواتف عند الكمين، لكننا بدلنا الحافلات، واختلف السائق، لذلك لم يخبرنا السائق الجديد أنه يمنع ذلك. وحصل ما حصل.
انطلقنا مجددًا في طريق طويل طَلَتهُ الشمس بلون ذهبي مزين بأشجار النخيل. كان هذا مشهدًا جميلًا حقًا.
نقطة تفتيش أخرى. رايت يافطة يكتب عليها “كمين بعد عدة أمتار” وعندما اقتربنا ثمة يافطة أخرى تقول “نقطة تفتيش” علمت حينها أن نقطة التفتيش تعني كمين! سألت السيدة التي تجلس في المقد أمامي كي أتأكد. فعلمت أن الكمين هو نقطة التفتيش.
كانت الطريق بعد ذلك الكمين صحراء تمامًا. تلال رملية صفراء تجري رمالها مع الرياح، وبعض الشجيرات الصحراوية، ولا أحد. كنت أتمنى في تلك اللحظة أن أتمكن من النزول والسير بين تلك الرمال والنزول من تلك الحافلة. لكن هذا مستحيل طبعًا!
كمين آخر، والروتين نفسه، وضباط لا تبتسم وتنظر إلينا بعيون مطفئة تقوم بالعملية ذاتها مع كل الحافلات والسيارات التي تقل المسافرين لترى وجوه المسافرين الشاحبة من طول الطريق. لا أفهم ما المغزى من هذا التفتيش المتكرر بشكل جنوني في طريق سيناء، وما المغزى من جود كل تلك الكمائن وكل هؤلاء الضباط. ما المغزى من هذا كله!
وصلنا مدينة بئر العبد، حيث وجدنا كمين آخر، وكلمة طيبة من أحد الضباط: “الحمد لله على السلامة”.
وبينما كنا نسير لمحت يافطة مكتوب عليها “مزلقان” لم أفهم ماذا تعني، فراقبت الطريق جيدًا كي تشرح لي ماذا تعني هذه الكلمة، فوجدت بعد عدة أمتار سكة حديدية، ففسرتها أنها تعني قطار. لكنني بحثت عن معناها ووجدت أنها كلمة معروفة في مصر، حيث عرفها جوجل أنها: المزلقان (في مصر) أو التقاطع بين خط سكة حديد وطريق هو معبر لعبور المشاة أو السيارات ويكون بشكل سطحي بنفس المستوى(أي ليس جسر ولا نفق).
طريق طويلة أخرى وإن قصُرت. ثم المعدية! وما أدراك ما المعدية..

****

المعدية
طوال الطريق السابقة لم يكن لدي أي اتصال بأهلي، لم أرسل لهم أي رسالة عدا تلك التي أرسلتها في الصالة المصرية أخبرهم فيها أنني سأنطلق الآن. لكن المعدية قربتنا من بعضنا، فالوقوف الطويل والكثير خلق كثيرًا من الحوارات بيننا. وطلبت المساعة ممن حولي كي أرسل ولو رسالة واحدة اطمئن فيها أهلي عن مكاني وأين وصلت وماذا حصل.
عندما استطعت التواصل مع أبي صار يسألني “قلطتوا المعدية؟” وأنا أرد عليه “هينا في المعدية، بنستنى” ويكرر السؤال ذاته حتى أدركت أنه ثمة أمر لا أعرفه عن هذه المعدية.. سألت السيدة أمامي “ايش يعني معدية؟” فأخبرتني أنها كسفينة في المياء تحمل السيارات والحافلات من طرف إلى آخر، عندما نصل إلى الطرف الآخر من المياه ننطلق بعدها إلى المطار” بعدها استطعت فهم قصد والدي.
الطريق إلى تلك المعدية مقرفة جدًا، لا أدري كيف يمكن لأهل المنطقة استحمال كل هذا العدد من الحافلات والسيارات تقف يويما بطابور طويل لا يتنهي لا في الصباح ولا في المساء. يترجل راكبوها لعلهم يستريحون قليلًا من طول الجلوس. لا أفهم حقًا، فالمسؤولون عن هذا لا يكتفون بالتضييق علينا كمسافرين فلسطينيين، بل يضيقون على أهل بلدهم بإفساد جمال منطقتهم بهذا المشهد البائس وجعلهم يشهدون هذا العذاب يوميًا –وإن لم يكونوا هم المعذبين، وإن كانوا يستفيدون من وجودنا لخلق حركة في محالهم التجارية من مطاعم وسوبر ماركت، ومحال لتصليح السيارات وغيرها.
“الركاب معايا اتْخَيَلِت” قال السائق هذه الجملة ثم نزل من الحافلة ليكمل مكالمته الهاتفية. حتى السائق المصري المسكين هذا، وكل السائقين مثله، كلهم ضحية القرف الذي نمر به، وقتل الوقت الذي ما بيدنا حيلة لانقاذه، وكلهم “اتْخَيَلوا” والله!
عندما طال وقت الانتظار، وساد الصمت إلا من صوت التنهيدات المؤلمة وأنين الرجل العجوز الذي يرافقنا. بدأت حافلتنا بالتفرق، فقد انطلق النصف تقريبًا “فُرادى” أي سيذهبون إلى المعدية سيرًا. فبقينا في الحافلة أنا وسيدتان، فضلنا البقاء مع الجامعة التي بدأنا معها فعرفناهم وعرفونا، ورجل عجوز أهلكته الطريق، وابنه، ورجلين اثنين آخرين، وشاب أحمد الله أنه كان معنا، فقد جعله الله وسيلة لتسهيل طريقنا. يدرس في كلية الشرطة في مصر، وقد ساعدنا هذا في اختصار الوقت وتجاوز الكثير من الحافلات وصولًا لنقطة تفتيش المعدية. لم يكن هذا سهلًا طبعًا، فقد استهلك ذلك وقتًا. لكننا وصلنا في النهاية.
إنه طالب شرطة فقط، فماذا لو كان معنا ضابط ما في الحافلة!
إنه وقت التفنيش الآن، نضع كل الحقائب على الأرض نفتحها كلها ليفتشها الضابط. كان هذا مقززٌ جدًا، ففتح الحقائب بهذا الشكل والتفتيش أمام الجميع في الشارع بدا لي كالتعري!
انتهينا من التفتيش الأول للمعدية، ووصلنا إلى المعدية الآن، لكن ثمة تفتش آخر قبل أن ننطلق إلى المطار.
عدّينا المعدية، أخيرًا! كان جسرًا فوق الماء، وكانت انعكاسات الأضواء على الماء جميلة جدًا، كان مشهدًا جميلًا سأبدا به رحلتي الحقيقة إلى المطار بدون كمائن أخرى وتفتيشات وحفلات نزول من الحافلة. لكن ضابطًا في الجانب الآخر أفسد كل هذه المتعة حين أوقفنا وسأل عن وجهتنا وأخبره أحدهم أنه سيذهب إلى الكويت فظن أننا مرحلين! لم يستطع الانتظار ليشرح له السائق أننا لسنا مرحلين، فالمرحل طريقه واحدة إلى المطار مباشرة دون القدرة على الحركة والنزول خلال الطريق، ومن ثم حبسهم في غرفة في المطار إلى أن يحين وقت اقلاع طائراتهم.
أخذ الضابط الجوازات، واصطفت الحافلة على جنب. نزل السائق لكن الشرطي ذهب قبل أن يحدثه السائق بشيئ. نزل صديقنا طالب الشرطة، شرح له الأمر وأتم المهمة، أعطانا الجندي جوازاتنا، وانطلقنا.
صار الأمر حقيقة الآن، سوف نذهب إلى المطار. ستكون هذه المرة الأولى التي سأكون فيها في مطار.

***

وصلنا المطار، ودعني الأصدقاء في الحافلة، ونزلت أحاول أن أسأل الضابط المصريين كيف لي أن أحصل على شريحة كي أستطيع التواصل مع أهلي، لأنني سأمضي ليلتي في المطار حتى موعد طائرتي غدًا في الساعة 11:50. كانت ردود أفعال الضباط عندما سألتهم مقرفة ستتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعك على أن لا تراها لأنهم لا يرغبون في المساعدة، لكنك مجبر في النهاية على رؤيتهم واحتمال سوء تصرفاتهم. انهم سيؤون فعلًا بشكل لا يوصف.
كان الموقف الأسوا والأطرف على الاطلاق في رحلتي كلها عندما ذهبت إلى صالة الوصول لأحصل على شريحة. دخلت الصالة. لم يكن هناك أحد غيري، دخلت وأخبرت الضابط أن رحلتي غدا وأحتاج إلى شريحة، وأخبروني أن آتي إلى هنا. فنظر إلى النظرة ذاتها التي نظرها ذلك الشطري الغبي الذي سبقه، وقال “عشان خاطر الهانم بس” كان بجواره ضابطة لا تختلف عنهم بشيء غير أنها أنثى. ذهبت وأتممت ما قدمت لأجله، وخرجت. عندما خرجت، أوقفاني وقالت: “مفيش حاجة حلوة قبل السفر؟” لم أفهم ماذا تعني، يعني ايش حاجة حلوة قبل السفر! كررت وأعادت الجملة أكثر من مرة. كانا ينتظران شيئًا لكنني لا أفهم، لِمَ قد يطلبان “حاجة حلوة”؟ كان في حقيبتي بعض الحلوى، فأعطيت كل واحد منهما واحدة!
“إيه ده!” لا أدري لِمَ صُدما هكذا رغم أنهما من طلبا الحلوى! صُدمت لردة فعلهم! وخفت أن يفعلا بي شيئًا، على ما يبدو أنني فعلت شيئًا لم يكونا ينتظراه! أردت أن أخلص نفسي فقلت لهما: “أنا أول مرة أسافر، مش عارفة اشي ومعيش اشي” وأخذت حقيبتي وهربت.
بعدما ابتعدت عنهما، فهمت أنهما قصدا المال بقولهما “حاجة حلوة”. والله كل ما أتذكر هالموقف أنقهر وأموت ضحك! يعني هذا عملك، إيش بدك يا متخلف يا حرامي يا استغلالي!
أتساءل هل يتعاملون بالطريقة ذاتها مع باقي السياح؟ أم أن فكرة البقشيش والكشرة والتعامل المخزي مقتصرة علينا؟ يعني يشتغلوا شغلهم ويطلبوا من الناس بعد! ما يستحون على نفسهم يشحدوا هيك! حد إلو مكانة وبشغل وظيفة محترمة يعمل هيك! قرف وغباء أقسم بالله.
لكنني أحمد الله على أي حال أنني لم أكن أعلم ماذا تعني “حاجة حلوة” من قبل. الله لا يحلي أيامهم.
انتظرت في المطار حتى الصباح، لم يكن وقتًا ممتعًا. فأن لا تحظى بنوم على الاطلاق في ساعت الليل لأنك وحدك وعليك أن تكون حريصًا لم يكن أمرًا جيدًا أبدًا. ورغم أن الوقت مضى أبطأ من السلحفاة، لكنه مضى بالنهاية.
أنه موعد الطائرة الآن.. سأخرج من هذه البلدة التي الله يهْدِ ويهدِّي بال أههلها.
***
تتوزعني مشاعر متناقضة تجاه مصر، فلطالما أحببتها رغم عدم زيارتي لها، لكن أول تجربة لي فيها لم تكن جيدة.فقد تركَتْ في قلبي انطباعًا سيئًا عنها. كنت أتمنى أن تكون علاقتي بمصر نابعة عن تجربة غير هذه.
وإني والله آسفة على مصر، من كل ظلمها وأفسدها وسعى في خرابها، وجعل منها محظة ذل لنا. وسلب منها لقب “أم الدنيا” وصارت خراب الديار وسخام البين بالنسبة لنا.
آسفة من قلبي والله، وأسأل الله المنتقم أن ينتقم لنا ممن ظلمنا. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
والسلام.

Leave a comment

Design a site like this with WordPress.com
Get started